إنَّ قيمةَ التراث العلمي ليست فيما خلّفه من مدوّناتٍ وتصانيف فحسب، بل فيما يكشفه من طرائق بناء المعرفة ومسالك ترتيبها وكيفية عرضها؛ إذ قد تتشابه العلوم في موضوعاتها وتختلف في بنيتها، ويكمن الفرق في الهيئة التي تُصاغ بها المسائل، والكيفية التي تُتداول بها بين أهلها ترتيبًا وتنظيمًا وتصنيفًا. ومن هذا الوجه يُنظر إلى النظم الفقهي بوصفه اختيارًا منهجيًا في العرض العلمي، لا مجرد قالب أدبي، تتداخل فيه مقتضيات التعليم واعتبارات الضبط ومحاولات الشمول والإحاطة، حتى يغدو المنظوم بناءً له منطقه وشروطه الخاصة، وليس تابعًا للنثر. وإذا كان النظم قد عُرف في عموم البيئات العلمية كالمتون المشهورة والأراجيز، فإن التجربة العُمانية تُظهر حضورًا واضحًا في هذا الفن من حيث كثافته وامتداده وتنوّع مستوياته، فالعمانيون أشربوا حب الشعر حتى تضوعوا منه كتابةً وأدبًا وتعليمًا، بما يدعو إلى إعادة قراءته قراءةً تتجاوز الحصر والوصف إلى تحليل البنية واستجلاء الغايات، ثم تتبع تحوّله بين ما وصل إلينا محفوظًا وما انقطع خبره وبقي أثره.
...